القرطبي

58

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقاله ابن إسحاق ، ورواه ابن وهب عمالك . " أنا خلقناه من نطفة " وهو اليسير من الماء ، نطف إذا قطر . " فإذا هو خصيم مبين " أي مجادل في الخصومة مبين للحجة . يريد بذلك أنه صار به بعد أن لم يكن شيئا مذكورا خصيما مبينا . وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل فقال : يا محمد أترى أن الله يحيي هذا بعد ما رم ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم " نعم ويبعثك الله ويدخلك النار " فنزلت هذه الآية . قوله تعالى : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظم وهي رميم قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم قوله تعالى : " وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم " فيه مسئلتان : الأولى - قوله تعالى : " وضرب لنا مثلا ونسي خلقه " أي ونسي أنا أنشأناه من نطفة ميتة فركبنا فيه الحياة . أي جوا به من نفسه حاضر ، ولهذا قال عليه السلام : " نعم ويبعثك الله ويدخلك النار " ففي هذا دليل على صحة القياس ، لأن الله جل وعز احتج على منكري البعث بالنشأة الأولى . " قال من يحيى العظام وهي رميم " أي بالية . رم العظم فهو رميم ورمام . وإنما قال رميم ولم يقل رميمة ، لأنها معدولة عن فاعلة ، وما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا عن إعرابه ، كقوله : " وما كانت أمك بغيا " [ مريم : 28 ] أسقط الهاء ، لأنها مصروفة عن باغية . وقيل : إن هذا الكافر قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن سحقتها وأذريتها في الريح أيعيدها الله ! فنزلت " قل يحييها الذي أنشأها أول مرة " أي من غير شئ فهو قادر على إعادتها في النشأة الثانية من شئ وهو عجم الذنب . ويقال عجب الذنب بالياء . " وهو بكل خلق عليم " أي كيف بيدي ويعيد .